الدمام – سميرة القطان
في الفن، لا تحكي اللوحة عن نفسها فقط؛ بل قد تحمل في تفاصيلها ملامح زمن، وذاكرة مكان، وتحولات مجتمع بأكمله. ومن هنا تأتي أهمية معرض «بدايات: رحلة استكشافية لحركة الفن السعودي – المتنقل»، الذي يفتح نافذة على مرحلة تأسيسية في تاريخ الفن التشكيلي السعودي، ويعيد قراءة أعمال الرواد بوصفها وثائق بصرية تحفظ جانبًا من الذاكرة الثقافية للمملكة.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة نادي مدى الثقافي إلى المعرض المقام في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، ضمن مسار الفكر والثقافة في النادي، بوصفها تجربة تتجاوز مفهوم الزيارة التقليدية إلى مساحة للتأمل والحوار وطرح الأسئلة حول الفن والهوية والبيئة والتحولات الاجتماعية.
المعرض، الذي تنظمه هيئة الفنون البصرية بالتعاون مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي – إثراء، يقدم رحلة وثائقية ترصد تبلور وتطور المشهد الفني في المملكة خلال الفترة الممتدة من الستينيات وحتى ثمانينيات القرن العشرين. ويضم أعمالًا فنية رائدة ومواد أرشيفية تُعرض للجمهور لأول مرة، ضمن مشروع بحثي يسلط الضوء على الجيل الأول من الفنانين السعوديين ودورهم في بناء منظومة فنية تستند إلى الإرث المحلي، وتتفاعل في الوقت ذاته مع التيارات الفنية المعاصرة.
من المشاهدة إلى القراءة
لم يتعامل نادي مدى الثقافي مع المعرض بوصفه وجهة للفرجة الفنية فحسب، بل سعى إلى تحويل الزيارة إلى تجربة ثقافية تشاركية، يكون فيها المتلقي جزءًا من عملية اكتشاف المعنى.
وبقيادة أ. دلال الكعبور، مؤسسة نادي مدى الثقافي والمهتمة بالفن التشكيلي، وبمشاركة فريق مسار الفكر والثقافة بقيادة سميرة برناوي، وسارة العامري، وعهد الصومالي، بدأت التجربة بتعريف المشاركين بمركز «إثراء» ودوره في المشهد الثقافي، قبل الانتقال إلى معرض «بدايات» والوقوف أمام الأعمال الفنية والأرشيفية التي توثق مراحل مهمة من نشأة الفن السعودي.
وخلال الجولة، لم يكن السؤال فقط: ماذا نرى؟، بل امتد إلى ما تقوله الأعمال عن الإنسان والمكان والمرحلة التي ظهرت فيها، وكيف يمكن للخامة والرمز والتكوين أن تتحول إلى لغة تعبّر عن هوية مجتمع وتحولاته.
بهذه المقاربة، أصبحت الجولة مساحة لإعادة النظر في العمل الفني بوصفه نصًا بصريًا يمكن قراءته وتحليله، وليس مجرد صورة تُشاهد.
الفن بوصفه مرآة للهوية
يحمل الفن السعودي في بداياته ارتباطًا وثيقًا بالبيئة المحلية؛ فقد ظهرت آثار المكان والإنسان والحياة اليومية في موضوعات الأعمال ورموزها وخاماتها، لتصبح التجربة الفنية جزءًا من التحولات الثقافية والاجتماعية التي شهدتها المملكة.
ومن هنا، فتحت الزيارة مساحة للتأمل في العلاقة بين الفن والبيئة، وكيف استطاع الفنانون الأوائل تحويل عناصر من محيطهم إلى لغة بصرية تعبّر عن زمنهم، وتوثق جانبًا من الذاكرة المحلية.
شعاع الدوسري.. قراءة العمل من الداخل
اختُتمت الجولة بجلسة حوارية مع الفنانتين السعوديتين أ. شعاع الدوسري، مؤسسة مركز طباشير ومدربه ومختصه للعلاج بالفن وأ. أنهار هوساوي، الباحثة ومدربة فنون لتكون الجلسة امتدادًا لما أثارته الأعمال من تساؤلات وقراءات.
وقد كان للفنانة شعاع الدوسري حضور محوري في إثراء الحوار، مستندة إلى خبرتها في الفنون التشكيلية والتعليم الفني، حيث قدمت قراءات متعمقة للأعمال المعروضة من خلال الخامة والتقنية والتكوين، وتوقفت عند الرموز والدلالات المرتبطة بالبيئة والسياق الثقافي والاجتماعي. كما تفاعلت مع أسئلة المشاركين، وفتحت معهم مساحة لتفكيك العناصر البصرية وبناء قراءاتهم الخاصة للعمل الفني.
وامتد الحوار إلى عدد من الموضوعات التي أثارت اهتمام المشاركين، من بينها مناقشة الأعمال المعروضة والتعرف على الموهبة الفنية، إلى جانب الحديث عن تقنيات الطباعة، ومنها الطباعة الليثوغرافية، ودور الاختزال في الرموز الشعبية والاستلهام منها. وفي هذا السياق، أوضحت الدوسري الفرق بين الاستلهام والتكرار؛ فالاستلهام قد ينطلق من الرموز الشعبية المتجذرة في الحضارة والبيئة المحلية، أو من تجارب وأعمال فنية سابقة، بينما يظل جوهره في إعادة تقديم الفكرة من خلال رؤية الفنان وأسلوبه الخاص. أما تكرار العمل ونسخه دون معالجة أو إضافة، فقد يكون مقبولًا في سياق التدريب والتعلّم، لكنه يفقد قيمته الفنية عندما يتحول إلى نسخ مباشر قد يصل إلى التعدي على أصالة العمل وحقوق صاحبه.
ومن الأسئلة التي أخذت الحوار إلى مساحة أوسع: «كيف ترين توظيف الخامات البيئية في الفن المعاصر؟ وما نصيحتك للجيل الصاعد؟»؛ حيث أكدت الدوسري أهمية أن يبقى الفنان وفيًّا لبيئته، وأن ينظر إلى الخامات المحلية بوصفها مصدرًا للهوية والذاكرة والإلهام، مع الحفاظ على أصالة العمل الفني. وأشارت إلى أن التجديد لا يتعارض مع الجذور، بل يمكن للفنان أن يقدم رؤيته المعاصرة منطلقًا من بيئته وثقافته وتجربته الخاصة.
وفي امتداد لهذا الحوار، أضافت أ. أنهار هوساوي، الفنانة والمصممة، منظورًا فنيًا مكملًا، وأسهمت في إثراء النقاش حول التجربة الفنية والأعمال التي أثارت اهتمام المشاركين، والإجابة عن تساؤلاتهم، بما أتاح تعدد وجهات النظر وفتح مساحة أوسع للتأمل في الفن السعودي وممارساته.
وبذلك، تجاوزت الجلسة حدود النقاش حول الأعمال المعروضة، لتصبح تجربة تفاعلية مكّنت المشاركين من الانتقال من مشاهدة العمل الفني إلى قراءته، ومن قراءته إلى طرح الأسئلة، ومن الأسئلة إلى تكوين رؤى وانطباعاتهم الخاصة. كما أتاحت لهم الاقتراب من الفن السعودي من زاوية أكثر عمقًا، وربط ما شاهدوه في المعرض بقضايا الأصالة والهوية والبيئة والاستلهام ومستقبل الممارسة الفنية.
وهنا تتجلى الثقافة كتجربة مستمرة؛ تجربة لا تنتهي بانتهاء الجولة أو الجلسة، بل تمتد إلى ما يتركه الحوار من أسئلة، وما يفتح المجال أمامه من قراءات جديدة، وما يمنحه للمشارك من أدوات ينظر بها إلى الفن والثقافة والبيئة من حوله بصورة أكثر وعيًا.
تأتي هذه الزيارة ضمن توجه نادي مدى الثقافي نحو بناء تجارب لا تكتفي بتنظيم اللقاءات والفعاليات، بل تسعى إلى تحويل الثقافة إلى مساحة للمشاركة والحوار والتفاعل. ويعمل النادي، من خلال فريقه ومتطوعيه وشراكاته، على تصميم برامج تجمع بين القراءة والفكر والفنون والإبداع، وتمنح المشاركين فرصة لأن يكونوا جزءًا من صناعة التجربة الثقافية، لا مجرد حضورها.
وفي تجربة «بدايات»، انعكس هذا التوجه في الانتقال من المعرض إلى الحوار، ومن المشاهدة إلى القراءة، ومن العمل الفني إلى سؤال الهوية.
فالقيمة الحقيقية لمثل هذه الزيارات لا تكمن في التعرف على الأعمال الفنية فحسب، وإنما في منح الجمهور أدوات جديدة للنظر إليها وفهم سياقاتها، وفتح حوار يربط الماضي بالحاضر، والتجربة الفنية بالذاكرة الثقافية.
وفي النهاية، ربما لا تكمن أهمية «بدايات» في أنه يحكي كيف بدأ الفن السعودي فحسب، بل في أنه يفتح سؤالًا آخر: إلى أين يمكن أن يذهب؟ فبين أصالة الجذور، وثراء البيئة، وتجارب الرواد، وأسئلة الجيل الجديد، تستمر رحلة الفن السعودي في كتابة فصول جديدة؛ رحلة تؤكد أن المستقبل الفني لا ينفصل عن ذاكرته، وأن المعاصرة الحقيقية لا تعني القطيعة مع الجذور، بل القدرة على إعادة قراءتها وصياغتها بلغة جديدة.
