شهدت إيرادات الشركة السعودية للنقل الجماعي (سابتكو) نمواً ملحوظاً خلال عام 2025، حيث بلغ صافي الربح 113 مليون ريال بنسبة نمو قدرها 650% عن العام الماضي، مدفوعة بالتوسع التشغيلي في مشاريع النقل العام بعدد من مدن المملكة، وفقاً للرئيس التنفيذي المهندس خالد بن عبد الله الحقيل، الذي أكد أن الشركة تواصل تنويع مصادر الدخل وتعزيز كفاءة الأصول بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي والانتقال نحو حلول النقل المستدام.
وقال: “نجحنا رغم تحديات ارتفاع التكاليف التشغيلية في تحويل توسعنا إلى نمو ملموس في الإيرادات، مع الحفاظ على كفاءة التشغيل وتعزيز الاستدامة المالية،” مشدداً على أن أولوية المرحلة الحالية تتمثل في تعزيز متانة المركز المالي ومعالجة الخسائر المتراكمة التي تقلصت بشكل سنوي تباعاً تمهيداً لتفعيل سياسة توزيعات مستقرة بعد استكمال تحقيق المستهدفات المالية ومعالجة الخسائر، بما يحقق توازنًا بين دعم النمو وتعزيز حقوق المساهمين.
وعلى صعيد تعزيز جاهزيتها التشغيلية، قال الرئيس التنفيذي إن الشركة تعمل على تنفيذ خطة مدروسة لتوسيع وتحديث أسطولها بما يتواءم مع طبيعة المشاريع المطروحة واحتياجات السوق، ووفق استراتيجيتها طويلة المدى، ما يُسهم في رفع الكفاءة التشغيلية وتحسين موثوقية الخدمات، إلى جانب تعزيز المرونة في الاستجابة للطلب المتنامي على خدمات النقل العام، وهو ما يدعم القدرة التنافسية للشركة.
وأشار الحقيل إلى أن استراتيجية “سابتكو” تنسجم بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، لا سيما في محور جودة الحياة عبر تطوير البنى التحتية للنقل، وذلك من خلال رفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين موثوقية الخدمات، وتقليل زمن التنقل داخل المدن، إلى جانب تبني حلول النقل الذكية وتعزيز تكامل وسائل النقل العام واستدامتها.
وأضاف: “استراتيجيتنا المحدّثة تتضمن التوسع في المشاريع، مع التركيز على بناء منظومة نقل ذكية ومتكاملة، تسهم في تحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة البنية التحتية الحضرية.”
• تحول نوعي تقوده “سابتكو”
فيما يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية، أشار الحقيل إلى أن “سابتكو” تقود تحولاً نوعياً في قطاع النقل الحضري عبر تحالفاتها الدولية، وفي مقدمتها شراكتها مع شركة “RATP Dev” الفرنسية، حيث تتولى تشغيل وصيانة المسارين الأول والثاني (الأزرق والأحمر) في مترو الرياض، إضافة إلى امتلاكها حصة 80% في شركة تشغيل مشروع حافلات الرياض (كامكو).
وتابع: “شراكاتنا الدولية تحقق نقلاً حقيقياً للمعرفة والخبرة التشغيلية العالمية، كما تسهم في رفع معايير الجودة والاعتمادية في مشاريع النقل،” مبيناً أن هذه المشاريع تسهم في تقليل الازدحام المروري وخفض الانبعاثات البيئية ورفع كفاءة التنقل، ما يدعم مكانة الرياض كمركز حضري متطور ومتوافق مع المعايير العالمية.
وفي ظل توجه قطاع النقل نحو الخصخصة وفتح باب المنافسة، أوضح الرئيس التنفيذي أن الشركة تتعامل مع هذا التحول باعتباره فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها كمشغل وطني رائد يمتلك خبرة تشغيلية تمتد لعقود وسجلاً مثبتاً في إدارة المشاريع الكبرى، حيث تعمل على الحفاظ على حصتها السوقية عبر رفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين هيكل التكاليف، وتعزيز قدرتها التنافسية في العطاءات الجديدة.
وقال: “نطور نموذج التشغيل من خلال تبني حلول النقل الذكية والرقمنة، وبناء شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات والمصنعين العالميين، بما يدعم نقل المعرفة وتوطين التقنيات واستدامة النمو، مستفيدين من خبرتنا المحلية العميقة وانتشارنا التشغيلي الواسع عبر شتى مناطق المملكة.”
وأضاف أن انتهاء عقد الامتياز للنقل بين المدن عام 2023 شكّل نقطة تحول في مسيرة “سابتكو”، إذ انتقلت من نموذج الامتياز الحصري إلى بيئة تنافسية مفتوحة تقوم على طرح المسارات والعقود وفق آليات تنافسية وتنظيمية جديدة، ما أتاح إعادة صياغة نموذج الأعمال، والتركيز على الكفاءة التشغيلية والربحية المستدامة بدلاً من الاعتماد على الامتيازات التنظيمية.
وقال الحقيل إن إنجازات الشركة في 2025 شملت اكتمال مراحل تشغيل حافلات الرياض، وتشغيل 91 حافلة في جدة بينها 3 حافلات كهربائية، و165 حافلة ضمن مشروع النقل الترددي لضيوف الرحمن في المدينة المنورة، إضافة إلى 30 حافلة حديثة في تبوك منها 7 كهربائية، و41 حافلة في الأحساء، وهو ما وصفه الرئيس التنفيذي بأنه “جزء من استثمار طويل الأجل لتلبية الطلب المتنامي بكفاءة واستدامة”.
إدارة مؤسسية للمخاطر
كما أوضح الحقيل أن “سابتكو” تعتمد إطاراً مؤسسياً متكاملاً لإدارة المخاطر والحوكمة، يشمل التعامل مع تقلبات أسعار الوقود والمتغيرات التنظيمية عبر سياسات تعاقدية مرنة، وتحديث أنظمة الامتثال، وإعادة هيكلة نموذج الأعمال نحو وحدات تجارية متخصصة أكثر كفاءة وربحية. وقال: “نتعامل مع التحديات الاقتصادية وتقلبات السوق بمنهجية مؤسسية، وعبر منظومة حوكمة متكاملة.”
وأوضح أن الشركة تعتمد منظومة مؤشرات أداء رئيسية لقياس نجاح استراتيجيتها، تشمل نمو الإيرادات، ومستوى الربحية التشغيلية، وكفاءة إدارة التكاليف، ونسبة الالتزام التشغيلي، ومستوى رضا العملاء، إضافة إلى معدل الفوز بالعقود الجديدة، بما يضمن إدارة الأداء وفق إطار رقابي واضح ومستدام.
وقال: “تحولنا نحو الوحدات التجارية المتخصصة منحنا وضوحاً أكبر في المساءلة وربط الأداء بالربحية، وجعل قراراتنا أكثر سرعة ودقة في بيئة تنافسية متغيرة، مع الحفاظ على انضباط مالي يوازن بين النمو والاستدامة.”
استراتيجية خضراء طموحة .. ورقمنة شاملة
وفي إطار التوجه نحو الاستدامة، أفاد الحقيل أن “سابتكو” تتبنى استراتيجية طموحة تنسجم مع مبادرة السعودية الخضراء، حيث انتقلت الشركة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي في إدخال الحافلات الكهربائية والذكية ضمن أسطولها، لتصبح تبوك أول مدينة سعودية تدمج الحافلات الكهربائية بنسبة 25% من إجمالي الأسطول المشغل فيها، إلى جانب إطلاق مرحلة جديدة من تشغيل الحافلات الكهربائية في جدة وتوسيع المسارات إلى 14 مساراً، وبدء تشغيل مشاريع النقل الكهربائي في الدمام والقطيف، كما وقعت الشركة مذكرة تفاهم مع “HOLON” الأوروبية لإطلاق وتشغيل حافلات كهربائية ذاتية القيادة في المملكة.
وفي هذا السياق، نوه الرئيس التنفيذي بحصول “سابتكو” على تكريم من شركة “Yutong” ضمن مبادرة “Net Zero Forest”، تقديراً لجهودها في تشغيل الحافلات الصديقة للبيئة، كما عززت الشركة حضورها في مجال الابتكار الرقمي عبر شركتها التابعة “DMS”، التي حصدت جائزتي “التميز في تطوير النقل العام” و”الابتكار في حلول التنقل الرقمي” لعام 2025، ما يسلط الضوء على كفاءة العمليات وجودة الخدمات.
وأشار الرئيس التنفيذي إلى أن الاستثمار في أنظمة الحجز الذكية وتطبيقات الجوال أسهم في تطوير تجربة العملاء، عبر تمكينهم من حجز وإصدار التذاكر وإدارة المحافظ الإلكترونية رقمياً، مع توفير خيارات دفع متعددة، إلى جانب تحسين إدارة السعة وتحليل بيانات الاستخدام لدعم اتخاذ القرار ورفع الانضباط التشغيلي.
وعن موسم الحج والعمرة الأخير، قال الحقيل إن “سابتكو” قدمت إسهاماً كبيراً في خدمة ضيوف الرحمن ضمن منظومة تشغيلية متكاملة، وبالتنسيق المباشر مع الجهات المعنية، ما عكس مجدداً قدرتها على إدارة حركة نقل كثيفة ومتنامية بكفاءة عالية، من خلال توظيف الأنظمة التقنية الحديثة، وتعزيز أدوات المتابعة والتخطيط التشغيلي، وتحسين إدارة الأسطول والرحلات، الأمر الذي أسهم في تسهيل حركة المعتمرين، ورفع مستويات السلامة والانسيابية، وتحسين جودة الخدمة المقدمة خلال الموسم.
تمكين الكفاءات الوطنية
وفي جانب التوطين، كشف الرئيس التنفيذي أن نسبة التوطين في الوظائف القيادية تبلغ نحو 65%، مشيراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه أكاديمية سابتكو للتدريب (عالم الريادة) في إعداد وتأهيل كوادر متخصصة في علوم النقل البري الثقيل، عبر برامج تعليم القيادة وصيانة الحافلات وتدريب الفنيين، وحصولها على اعتمادات دولية ومحلية في مجالات السلامة والصحة المهنية.
وقد حصلت الأكاديمية على مجموعة من الاعتمادات الدولية والمحلية التي تعزز مكانتها المهنية، من بينها اعتماد Institution of Occupational Safety and Health (IOSH)، الذي يتيح تقديم برامج وفق معايير عالمية في السلامة والصحة المهنية، واعتماد Highfield Qualifications البريطانية المتخصصة في شهادات الصحة والسلامة والامتثال المهني، إضافة إلى اعتماد Royal Society for the Prevention of Accidents (ROSPA) في مجال السلامة والوقاية من الحوادث. كما تعمل الأكاديمية وفق معايير ومتطلبات الهيئة العامة للنقل في المملكة، بما يضمن مواءمة برامجها مع الأطر التنظيمية الوطنية واحتياجات سوق النقل.
وفي ختام حديثه، أكد الحقيل أن المرحلة المقبلة ستركز على ترسيخ نموذج أعمال أكثر كفاءة ومرونة، قائم على الانضباط المالي، والتحول الرقمي، والتوسع المدروس في العقود النوعية ذات العائد المستدام، بما يعزز موقع “سابتكو” كشريك وطني رئيسي في منظومة النقل، مشدداً على أن الشركة تنظر إلى التحولات التنظيمية والتنافسية باعتبارها فرصاً لإعادة التموضع وتعظيم القيمة للمساهمين والعملاء على السواء، في إطار استراتيجية لا تستهدف النمو الكمي فحسب، بل تسعى إلى تحقيق توسع نوعي قائم على الجودة، والكفاءة التشغيلية، والقدرة على توليد تدفقات نقدية مستقرة تدعم استدامة الأعمال على المدى الطويل.

